الشامل سبيلك للتفوق

الدورة الثانية : روسيا ورهانات التحول

المقدمـــــــة:

ورثت دولة روسيا الاتحاديــــــــة المكانة السياسية والاقتصادية للاتحاد السوفيتي المنحل، ودخلت هذه الدولة منذ منتصف الثمانينات في تحولات شاملــة وعميقة انتهت إلى التخلي عن الاقتصاد الموجه، فأين تجلت هذه التحولات؟ وما مرتكزاتها؟ وما النتائـــــــج التي نتجت عنها اقتصادياٌ واجتماعياٌ؟   

1)يجمع الوسط الطبيعي والبشري في روسيا بين مؤهلات وارغامات كثيرة:

أ‌)يتميز الوسط الطبيعي بضخامة وتنوع المعطيات وباكراهات المناخ:

     تمتد روسيا على مساحة 17م كلم2 يقع أغلبها في النصف الشمالــي لآسيا(45°- 75° شمالاٌ)، يغلـب على سطح البلاد طابع الانبساط ( السهل الروسي وسهل سيبريا الغربية وهضاب سيبيـــــريا الشرقية) مـع غطاءات رسوبية متفاوتة الخصوبة( اللوس وتشيرنوزيوم البــــودزول الميرزلوطا). وتمتــــــد شرقاٌ سطوح مرتفعة واسعة(سلاسل جبلية حديثة وكتل قديمة). هذه الضخامة والتنـــوع والانبساط تفقد دورها أمام سيادة المناخ القاري البارد( مدة التجمد بين 4أشهر ودائمة) خاصة في القسم الآسيوي. ومع ذلـك توفر الطبيعة في روسيا موارد فلاحية ومائية وغابوية وباطنية ضخمة.

ب) تعيش في روسيا ساكنة ضخمة تتكاثر حاليا بنسبة سلبية وتتركز في غرب البلاد:

تعيش في روسيا ساكنة ضخمة( 144.5م ن) من قوميـــــــات متعددة(81.5% سلافيين)، وتعرف تكاثرا سالبا(-2.2%) بسبب التراجع الواضح في معدل الولادات وارتفاع معدل الوفيات خاصة بعد 1995. ولا تزال البنية العمرية تتميز بارتفاع نسبة القادرين عن العمل(71%). ومن جهـــة أخرى فإن عوامل المناخ تجعل 3/4الساكنة تستقر في القسم الأوربي غرباٌ(المثلث الخصــــــــب). ونتيجة التحولات الأخيرة تراجع مؤشر التنمية البشرية وبرزت عدة مظاهر اجتماعية سلبية.   

2)انعكست التحولات بسلبيات واضحة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي:

    ا) دخل الاقتصاد الروسي في سلسلة التحولات نحو الاقتصاد الحر منذ1992:

     إلى حدود1991 شكل الاتحاد السوفييتي نموذجاٌ للاقتصاد الاشتراكي المبنــــــــــي على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج (التأميم) والتنظيم التعاوني للاستغلال والتوجيه والتخطيـــط وتحكم الدولة المركزية في كل الأنشطة الإنتاجية. إلا أن تفكك ات.س. فتح المجال أمام إعادة البنــــاء على نمـــط اقتصاد السوق المبني على الخوصصة والحرية الاقتصادية وتحرير المؤسسات الإنتاجية والانفتاح على الإستتمارات والسوق الخارجية. 

   ب) رافقت التحولات بعض المظاهر الاجتماعية والاقتصادية السلبية:

     لعل أبرز ما خلفته التحولات منذ 1991 هو التبعية للخارج على مستوى التمويــــل والإستتمار والتزود بالمواد نصف المصنعة والتجهيزية والعمل على بناء نظام إنتاجي يعتمد على التنسيق مع الجيران(C.E.I.) مع تراجع القدرة الإنتاجية في القطاعين الصناعي الفلاحي بسبب تفكـــــك البنية الصناعية( السوفييتية).وعلى المستوى الاجتماعي انخفض مؤشر التنمية البشريــــــــــة إلى(0,7) وارتفع معدل البطالة إلى 12% ونسبة الفقــــــر ومعها الفوارق الطبقية وانتشرت مظاهر الجريمة والتسول...  

3)تراجعت القدرة الاقتصادية لروسيا بسبب اكراهات الطبيعة وتأثير التحولات:

    أ) تظل مساهمة الفلاحة ضعيفة في الاقتصاد الروسي لعدة أسباب:

      يحد عامل البرودة والتجمد وانتشار الأتربة الفقيرة من انتشار النشــــــــــاط الفلاحي في القسم الأسيوي الواسع، وبذلك ينحصر نشاط الزراعة في 7,5%فقط من المسـاحة العامة، إضافة إلى ما

يعانيه هذا القطاع بسبب ضعف التجهيزات ووسائل وأساليب الإنتاج( الوضــــــع الموروث)وضعف الاهتمام والتهميش. هذه العوامل إلى جانب تأثير التحولات الحديثة هي التي تفسر التراجع الواضح في حجم الإنتاج الزراعي والحيواني منذ 1990( جدول ص 132) ويزيد في ارتباط البلاد بالخــارج على مستوى الحاجيات الغذائية.  

   ب) ترتكز القوة الصناعية الروسية على ضخامة الثروات وعلى الإرث الاشتراكي:

     الصناعة الروسية من أكثر صناعات العالم حظاٌ في الثروات والموارد الطاقيــــة والمعدنية كماٌ ونوعاٌ( الجدول ص 132) إلا أن وجود أغلب هذه الثـــــــــــــروة في القسم الأسيوي يطرح صعوبة الاستغلال. وتستفيد الصناعة الروسية من البنية التحتية والتجهيز الموروث عن العهد السابق ومن الانفتاح على الإستتمار الأجنبي حالياٌ، ذلك ما يفسر ضخامة الصناعات الثقيلة التعدينية والكيماوية والتي تتوزع في شكل تجمعات شبه متخصصة((combinat على طول الخط الحديدي موســـــكو-فلاديفوستوك ( الخريطة ص 132). أما التحول الحديث في الصناعات فيتجلى في توســـع الاهتمام بالفروع الصناعية الخفيفة والاستهلاكية.   

   ج) استفاد قطاع المبادلات الروسية كثيراٌ من تدابير التحولات نحو اقتصاد السوق:

     استفاد قطاع المبادلات كثيراٌ من البناء الليبرالي من خلال الانفتاح على الأســــــــــواق وتحرير الأسعار والتجارة عكس ما كانت عليه سابقاٌ، وتتركب المبادلات من مواد الطاقــــة والمعادن المواد الصناعية والأسلحة على مستوى الصادرات مقابل المواد التجهيزية ونصـــــــف المصنعــة والمواد الفلاحية على مستوى الواردات. هذا التركيب يفسر ارتفاع فائض الميزان التجاري.

الخاتمة:

إن التحول نحو اقتصاد السوق والنظام الليبرالي خلف انعكاسات ايجابية على قطاعـــات وآثار سلبية على أخرى، أسوءها الارتباط بالخارج والمشاكل الاجتماعية.